محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

132

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

نستطيع للأسف أن نقوم هنا بهاتين المهمتين من البحث العلمي . أقول ذلك ونحن نعلم أنه عن هذا الطريق وحده نستطيع أن نقيس حجم تدخل المتكلم في عملية القول ، وانطلاقا من ذلك ، في ترسيخ مناخ جديد من المعاني . يبدو من السهل أكثر أن نقبض على هذا التدخل في عمليات التحويل إلى اسم ، أي اللجوء إلى كلمات مزدوجة ( كالمصادر التي قد تكون أسماء فاعل أو مفعول به ) . وهذه المصادر تمارس فعلها نحويا كأسماء في الوقت الذي تعبّر فيه عن عملية فعل . إن عملية التحويل إلى اسم ، إذ تحذف علامات الشخص ، والزمن ، والصيغة التي ترافق الفعل ، تحوّل الجملة الفعلية إلى جملة اسمية ، أي إلى عبارة تأكيدية ، لا زمنية وخبرية ذات صلاحية عامة ودائمة . وبدلا من تأكيد خاضع لشروط تدخل فاعل ما ، في زمن ما وطبقا لصيغة محددة ، فإننا نجد أنفسنا أمام حالة تمارس دورها كمحاجّة قائمة على الهيبة التي تفرض نفسها من فوق . وهذه هي حالة الاسم الملئ بالحميّا : الحمد . وهو الفعل الوارد في التركيب اللغوي الذي حلّلناه آنفا . كما تنطبق على اسم الفاعل مالك التي يفضّلها المفسّرون المسلمون على التنويعة الأخرى ملك التي تمثّل أسماء مستقرا أو ساكنا ، هذا في حين أن كلمة مالك تعبّر عن الإرادة المؤثّرة لفاعل يعتمد عليه استحقاق يوم الحساب والقرارات التي ستتخذ في ذلك اليوم . وهناك اسم فاعل آخر يتطلّب تفسيرا مشابها هو : الضالّين . فالتركيب الاسمي هنا يساوي التركيب الفعلي مع فاعل اسمي نسبي هو : الذين يضلّون الصراط . نلاحظ أن اختيار الاسم الفعلي يتيح تصنيفا أكثر وضوحا ، وتوفيرا في الوسائل المستخدمة ، ونبذا أكثر راديكالية للفئة التي تقف خارج الطريق القويم أو الصراط المستقيم . وينطبق الأمر ذاته على الفئة المدلول عليها عن طريق اسم مفعول به : المغضوب عليهم . ولكن أعضاء هذه الفئة يحافظون على علاقة مع فاعل خارجي لم يسمّ . وبالتالي ، يمكنهم أن يعودوا إلى التحالف المعاش في الحمد للّه عن طريق إيقاف العملية التي تؤدي إلى الضلال الفعّال ، أي إلى الدمار الكامل للفاعل الذي ظل مضمرا في عبارة : المغضوب عليهم . البنيات النحوية في سورة الفاتحة : كنا قد اكتشفنا فيما سبق بعض العلاقات والوظائف النحوية أو التركيبية اللغوية عن طريق التركيز فقط على صائغات الخطاب أو مشكّلاته . ويمكننا أن نبيّن كيف أن هذه الملحوظات تتراكم وتتجمّع لكي تتيح لنا تقطيعا منتظما للنص . يمكن أن نميز بسهولة بين أربع لفظات ، أو أربع وحدات للقراءة القاعدية ، ثم سبع لفظات إخبارية ، وذلك طبقا للتوزيع التالي :